كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إذن: كان عليهم أن ينظروا: مَنِ الذي نبَّأَ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون عنها، وقد جاءهم رسول الله بمعجزة تُثبِت صدقه في البلاغ عن الله، وتُخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلًا} [النساء: 122].
وقد نزل القرآن في جزيرة العرب كفار عُبَّاد أصنام، وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرُسُل وبكتب، حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم.
ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به، والتحموا بالكفار، وكوَّنوا معهم جبهة واحدة، وحزبًا واحدًا، ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبهَ هذا بما يفعله الآن كُلٌّ من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد الإسلام.
إذن: بعد أنْ جاء الإسلام أصبح أهلُ الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خَلْق السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخَلْق خلق جوهرة، ثم نظر إليها نظرَ الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكوَّنَ السماء، والبقية ظلتْ فكوَّنت الأرض.
وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخَلْقِ؛ لذلك قال الله عنهم: {أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30].
وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى: {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] قالوا: السماوات جمع، والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أنْ نقول: كُنَّ رتقًا بضمير الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يَدْر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوةي والأرضية وهما مُثنَّى.
وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة؛ لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبنيّ على الفِطنة والذكاء ومُرونة الفهم. فخُذْ مثلًا قوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9].
فلم يقُلْ حسْب الظاهر: اقتتلتَا؛ لأن الطائفة وإنْ كانت مفردًا إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع {اقتتلوا} [الحجرات: 9] فإذا ما جِئْنا للصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثَل عن كل طائفة، فالصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصُّلْح قائم بين طرفين؛ لذلك يعود السياق للتثنية. {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل} [الحجرات: 9].
والرَّتْق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى {فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] أي: فَصلَنْاهما وأزَحْنَا هذا الالتحام، وما ذُكِر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها في هَيْبة، فحصل لها كذا وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى: {ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11].
والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه.
فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيرًا عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلًا: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال إلخ.
والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج افعل كذا ولا تفعل كذا لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحًا لا غموض فيه، أمَا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى، وكأن الحق- تبارك وتعالى- يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة.
وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان.
الموقف الأول: وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديدًا شاهدًا من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن الله.
الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد، ويلتمسون لها شاهدًا من كتاب الله، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن.
والموقف الحق أن هناك فرقًا بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محلّ بحث ومحلّ دراسة لم تثبت بَعْد؛ لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع، أمّا الحقيقة العلمية فمسألة وقعتْ تحت التجربة، وثبت صدقها عمليًا ووثقنا أنها لا تتغير.
فعلينا- إذن- أَلاَّ نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فَهْم القرآن، ويتهمونا أننا نُفسِّر القرآن حَسْب أهوائنا. أمّا الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تُدفَع فلا مانعَ من ربطها بالقرآن.
من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألَّفوا فيها كتبًا، ومنهم مَنْ حكم بكفر مَنْ يقول بذلك؛ لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرتْ له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مُدوَّرة كالشمس والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟!
كذلك إذا وقفتَ مثلًا على شاطئ البحر، ونظرتَ إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرفَ شراعها، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربتْ منك، عَلامَ يدلُّ ذلك؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستويًا، إنما فيه تقوُّس وانحناء يدل على كُرويتها.
فلما جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا بها كُروية فعلًا، وهكذا تحولتْ النظرية إلى حقيقة علمية لا تُدفع، ولا جدال حولها، ومَنْ خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلاّ قبولها والقول بها.
وما قلناه عن كُروية الأرض نقوله عن دورانها، ومَنْ كان يصدق قديمًا أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومَبانٍ وغيره؟ ولك أن تأخذَ كوزًا ممتلئًا بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم أَدِرْه بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أنْ ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء إليها، بدليل أنك إذا تهاونتَ في دوران الكوز يقع الماء من فُوهته، ولابد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها أثناء دورانها.
أما أن نلتقط نظرية وليدة في طََوْر البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماءُ المجموعةَ الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مُرتّبة حسب قُرْبها من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزُحَل، فأورانوس.
وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار- منهم الشيخ المراغي- بالقول بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثًا، وفي القرآن الذي سبق إلى هذا. ومرَّتْ الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن نبتون، ثم التاسع.
إذن: رَبْط النظرية التي لم تتأكد بَعْد علميًا بالقرآن خطأ كبير، ومن الممكن إذا توفَّر لهم أجهزة أحدث ومجاهر أكبر- كما يقول بعض علماء الفضاء- لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها سكة التبَّانة، والإغريق يسمونها الطريق اللبني.
وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة، وهناك من الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتُحسب الدقيقة الضوئية بأن تُضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها 186 ألف ميل يعني: ثلاثمائة ألف كيلومتر.
أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما الشِّعْري الذي امتنَّ الله به في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى} [النجم: 49] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء الدنيا فقط، فما دَخْل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟!
لذلك حاول كثيرون من عُشَّاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا تكون سُبَّة في حقِّهم وزلّة في طريقهم العلمي.
كذلك من النظريات التي قالوا بها وجانبتْ الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكوَّنت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض طراطيش، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردتْ بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردتْ الأرض أصبحتْ صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهبًا حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان فيزوف مثلًا.
والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقلّ حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سلمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئًا عن خَلْقِ السماواتِ والأرض ما أخبر الله به، وقد قال تعالى: {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض} [الكهف: 51].
ثم يقول في آية جامعة {وما كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُدًا} [الكهف: 51].
والمضلّ هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مُضلِّلة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت.
والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق-عز وجل- وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطًا لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خُلِقَتْ؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئًا عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض.
فالرجل الأميّ الذي لا يعلم شيئًا يشتري مثلًا التليفزيون ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أنْ يعلم شيئًا عن تكوينه أو كيفية عمله ونَقْله للصورة وللصوت.. إلخ. فخُذْ ما في الكون من جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن تخوض في أصل خَلْقه وكيفية تكوينه، كما لو قُدِّم لك طعام شهيّ أتبحثُ قبل أن تأكل: كيف طُهِي هذا الطعام؟!
وقد تباينتْ آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرَّتْق والَتْق، فمنهم مَنْ قال بالرأي الذي قالتْه التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكوَّنت السماء والأرض.
ومنهم مَنْ رأى أن المعنى خاصٌّ بكل من الأرض والسماء، كل على حِدَة، وأنهما لم يكونا أبدًا ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس: 24- 28].
وفي موضع آخر قال: {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السماء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُونًا فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11- 12].
فالمراد- إذن- أن الأرض وحدها كانت رَتْقًا، فتفجرت بالنبات، وأن السماء كانت رتْقًا فتفجرت بالمطر، فشقَّ الله السماء بالمطر، وشَقّ الأرض بالنبات الذي يصدعها: {والسماء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع} [الطارق: 11- 12].
وقال عن السماء: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام} [الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كُلُّ ما علاك فأظلّك، فيكون السحاب من السماء.
نفهم من هذا الرأي أن الفَتْق ليس فَتْقَ السماء عن الأرض، إنما فتق كل منهما على حِدَة، وعلى كل حال هو فَهْم لا يُعطي حكمًا جديدًا، واجتهاد على قَدْر عطاء العقول قد تُثبته الأيام، وقد تأتي بشيء آخر، المهم أن القوليْن لا يمنع أحدُهما الآخر.
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلابد أن له صلة بالرَّتْق والفَتْق في كل من الأرض والسماء.
ونلحظ أن الآية لم تَقُلْ: كل شيء حيَّا، إنما {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحيَّ المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخلٌ في تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإنْ فَقَد الماء مات وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضًا، فكُلُّ ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء.
فالمعنى {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود.
والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياةً تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة أخرى لها قيمة؛ لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى خالدة هي حياة الآخرة.
وسمُيِّ الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحًا، فقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29].
وسُمِّي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحًا، وسُمّي الملَك الذي ينزل به روحًا؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء لها، وهكذا يتم الإرتقاء بالحياة.
فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان حياة، وللنبات حياة، فالحيوان يُنْفَق ويموت، والنبات إنْ منعتَه الماء جَفَّ وذَبُل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضًا، بدليل قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88].
فوَصَف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، فلابد أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] فالحياة ضِدُّها الهلاك.
إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
ويختتم سبحانه هذه الآية بقوله: {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم أنْ يتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون أمام مخترع أو آله حديثة أو حتى لُعبة تبهرهم فيقولون: مَنْ فعل هذه؟ ويُؤرِّخون له ولحياته، وتخرَّج في كلية كذا... إلخ.